ماذا لو قرَّرت الحكومةُ طباعةَ العملة لتسديد ديونها؟
مقالات اقتصادية
مقالات اقتصادية
هل تساءلت يومًا: لماذا لا تطبع الحكومات مزيدًا من الأموال لحل مشكلاتها الاقتصادية؟ إنه سؤالٌ منطقيٌّ وإن بدا ساذجًا! وسنجيب عنه بالتفصيل في هذا المقال.
يشير مصطلح «طباعة العملة» في الاقتصادات الحديثة إلى إجراءات البنوك المركزية التي تؤدي إلى توسيع القاعدة النقدية. القاعدة النقدية هي إجمالي الأموال المتداوَلة خارج البنوك، إضافةً إلى الاحتياطيات البنكية (بعبارة أبسط، الكاش والأموال الموجودة في الحسابات البنكية). يؤدي توسيع القاعدة النقدية إلى زيادة كمية الأموال المتوفرة للتداول والإقراض والاستهلاك والادخار.
تستطيع البنوك المركزية توسيع القاعدة النقدية بواسطة إجراءات متعددة، مثل:
● طباعة المزيد من النقود: ينتج البنك المركزي الأموال إلكترونيًّا (أي تستخدم الأنظمة الرقمية لزيادة الأرصدة في حسابات الاحتياطي لدى البنوك التجارية دون طباعة عملة فعلية).
● شراء السندات الحكومية: تشتري البنوك المركزية السندات الحكومية من بنوك أخرى بواسطة الأموال الجديدة. يُؤدي ذلك إلى ضخ السيولة في النظام المصرفي.
● زيادة احتياطيات البنوك: عندما يبيع البنك السندات الحكومية، يزداد رصيده الاحتياطي في البنك المركزي، فتزداد قدرته على الإقراض.
الأوراق النقدية -في ذاتها- لا تحمل قيمةً حقيقيةً. ففي البداية، وُضعَ نظام المال لتسهيل تبادل المنافع والحاجيات بين الناس عوضًا عن نظام المقايضة، أي أن المال يعبر عن قيمة السلع والخدمات التي يجري تداولها بين الأشخاص أو الكيانات.
على مستوى الدولة، تعبر النقود عن قيمة السلع والخدمات التي تنتجها الدولة أو تقدمها. ولزيادة ثروة الدولة، يجب أن تزداد منتجاتها أو «مُخرجاتها». أما إذا زادت كمية الأموال وظلت السلع محدودةً، يزيد الطلب على السلع القليلة الموجودة مع زيادة المعروض النقدي «أي الأموال المتوفرة»، فترتفع الأسعار ويحدث التضخم. وعليه، فإن زيادة كمية الأموال المتداولة في الدولة لا تعني بالضرورة زيادة ثروتها.
للتوضيح نذكر المثال التالي، تخيل مدينة يقطنها عشرة أشخاص ولا يوجد فيها أي منتجات سوى عشر تفاحات. يقرر هؤلاء استخدام الأوراق النقدية للتبادل التجاري فيما بينهم. إذا طبعوا عشر أوراق نقدية فكل تفاحة سيكون سعرها ورقة نقدية واحدة، أما إذا طبعوا عشرين ورقة نقدية فالتناسب سيبقى ثابتًا، وسيصبح سعر التفاحة الواحدة ورقتين نقديتين، وإذا طبعوا مئة ورقة نقدية فسعر التفاحة الواحدة سيصبح عشر أوراق نقدية وهكذا. أي الثروة لم تزدَدْ بزيادة الأوراق النقدية المطبوعة.
إذا كانت طباعة المزيد من النقود لا تؤدي إلى زيادة الثروة، فلماذا تطبع الحكومات الأموال وتضخها في السوق؟ تطبع الحكومات النقود لتخفيف الضغوط الاقتصادية على المدى القصير، وتمويل المشاريع الحكومية، وتحريك الاقتصاد الراكد. خطوة كهذه قد تخفي المشكلة لكنها لن تحلها.
من الحجج المُستَخدَمة لتأييد طباعة النقود:
● زيادة الإنفاق الاستهلاكي: مع زيادة الأموال المتداوَلَة (إذا ترافقت مع خفض معدلات الفائدة) تزداد قدرة البنوك على الإقراض، ويصبح الاقتراض أرخص، وتنخفض أسعار الفائدة. يؤدي تسهيل الاقتراض إلى توفر الأموال لدى الناس وزيادة مستويات الإنفاق.
● إعادة تمويل الديون بتكلفة أقل: بعد أن تنخفض تكلفة الاقتراض، تستطيع الحكومة إعادة تمويل الديون بفوائد أقل. يقلل هذا الإجراء من عبء القروض القديمة.
● تشجيع الاستثمارات: مع انخفاض أسعار الفائدة، تصبح الاستثمارات الآمنة أقل تحقيقًا للربح، ما يشجع المستثمرين على الاستثمار في الأصول الأخطر، فتنشط الحركة الاقتصادية.
● مكافحة الانكماش: تنخفض الأسعار وتقل الحركة التجارية في البيئة الاقتصادية الانكماشية. في هذه الحالة، تساعد طباعة النقود في استقرار الأسعار واستعادة معدلات التضخم الصحية.
تؤدي طباعة الأموال غير الخاضعة للرقابة على المدى الطويل إلى عواقب اقتصاديةٍ وخيمةٍ:
● التضخم والتضخم المفرط: يؤدي التدفق المفرط للأموال إلى زيادة النقود مقابل عددٍ محدودٍ من السلع، فترتفع أسعار المنتجات والخدمات. يحدث التضخم المفرط إذا استمر ضخ المال دون قيود؛ إذ ترتفع الأسعار كثيرًا في زمن قصير، ما يجعل عملة الدولة عديمة القيمة على أرض الواقع. وهذا الأذى يكون وقعه الأكبر على الفئات الأفقر التي لا تمتلك احتياطيات مالية أو غيرها للتخفيف من وطأة التضخم على قدرتها الشرائية.
● انخفاض قيمة العملة: يؤدي دخول المزيد من الأموال إلى النظام الاقتصادي للدولة إلى انخفاض قيمة العملة، وذلك بسبب زيادة الطلب على شراء عملات أجنبية مما يعني زيادة العرض على العملة المحلية. ويسبب ضعف العملة غلاء الواردات، ما يسهم أيضًا في التضخم.
تؤدي طباعة الأموال غير الخاضعة للرقابة على المدى الطويل إلى عواقب اقتصاديةٍ وخيمةٍ:
● التضخم والتضخم المفرط: يؤدي التدفق المفرط للأموال إلى زيادة النقود مقابل عددٍ محدودٍ من السلع، فترتفع أسعار المنتجات والخدمات. يحدث التضخم المفرط إذا استمر ضخ المال دون قيود؛ إذ ترتفع الأسعار كثيرًا في زمن قصير، ما يجعل عملة الدولة عديمة القيمة على أرض الواقع. وهذا الأذى يكون وقعه الأكبر على الفئات الأفقر التي لا تمتلك احتياطيات مالية أو غيرها للتخفيف من وطأة التضخم على قدرتها الشرائية.
● انخفاض قيمة العملة: يؤدي دخول المزيد من الأموال إلى النظام الاقتصادي للدولة إلى انخفاض قيمة العملة، وذلك بسبب زيادة الطلب على شراء عملات أجنبية مما يعني زيادة العرض على العملة المحلية. ويسبب ضعف العملة غلاء الواردات، ما يسهم أيضًا في التضخم.
● الضغط المُحتَمَل على المُصدِّرين: يؤدي ضعف العملة إلى جعل السلع الوطنية أرخص بالنسبة إلى المشترين الأجانب، ولهذا الأمر أثر إيجابي إلى حدٍّ معين. بعد ذلك، يؤدي انخفاض قيمة العملة إلى تأذي المُصدِّرين الذين تنخفض أرباحهم كثيرًا.
في التاريخ أمثلة ظهرت فيها تأثيرات طباعة النقود على قيمة العملة والاستقرار الاقتصادي للدولة، من أشهرها:
● جمهورية فايمار الألمانية: بعد الحرب العالمية الأولى، طبعت ألمانيا مبالغ ضخمة من المال لدفع التعويضات والديون الداخلية ما أدى إلى التضخم المفرط. بحلول عام 1923، كان سعر رغيف الخبز 200 مليار مارك ألماني.
● زيمبابوي: بين عامي 2004 و2009، طبعت حكومة زيمبابوي النقود لمواجهة الديون الهائلة والانهيار الاقتصادي. بلغ التضخم المفرط ذروته بمعدل 89.7 سيكستليون في المئة على أساس سنوي في نوفمبر 2008.
● عقد اليابان الضائع: من أجل مكافحة الانكماش والنمو الراكد في التسعينيات، بدأت اليابان طباعة النقود بكميات هائلة. ومع ذلك، استمر الانكماش والركود، ما يشير إلى أن طباعة النقود وحدها لا تستطيع إحياء الاقتصاد.
دور المعادن الثمينة في زمن طباعة العملة والتضخم:
عندما يتخلخل الإيمان بالعملة الورقية بسبب الإفراط في طباعة النقود، يتجه الاهتمام نحو المعادن الثمينة مثل الذهب. لشراء المعادن الثمينة مزايا، مثل:
● التحوط ضد التضخم: تُظهر المعادن الثمينة ميلًا إلى صعوبة التغيير بقيمتها حتى عندما تنخفض قيمة العملة الورقية.
● الأصول الملموسة: على عكس النقود الورقية Fiat Currency التي قد تنخفض قيمتها، فإن المعادن الثمينة أصول ملموسة ذات قيمة مُستَمدَّة من ندرتها والطلب عليها.
● الموثوقية التاريخية: على مر التاريخ، كانت المعادن الثمينة مثل الذهب ملاذًا آمنًا للمستثمرين.
ترجمة: سارة حسن الدنيا
المصادر:
1- https://www.economicshelp.org/blog/797/economics/why-printing-money-causes-inflation/
3- https://www.americanbullion.com/what-happens-when-a-government-prints-money/