ساحة تيانانمن: مظاهرات فمجزرة وصورة من الأشهر في التاريخ
مقالات سياسية
مقالات سياسية
أحداث ساحة تيانانمن التي جرت عام 1989 موضوع حساس للغاية في الصين، نتج عنها مقتل المئات -إن لم يكن الآلاف- من المتظاهرين السلميين المطالبين بالديمقراطية، واعتقال عشرات الآلاف من المُحتجّين في جميع أنحاء الصين. التُقطت في هذه الاحتجاجات واحدة من أشهر الصور في القرن العشرين، ظهر فيها رجل مَدَني يقف وحده أمام رتل من دبابات الجيش. فماذا حدث في ساحة تيانانمن؟ وما قصة «رجل الدبابة»؟ وما تفاصيل مجزرة تيانانمن؟
إحباطات اقتصادية وسياسية سبقت الحراك:
في مطلع ثمانينيات القرن العشرين، بدأت تغييرات كبيرة في الصين، إذ أراد الزعيم دينغ شاوبينغ تعزيز الوضع الاقتصادي وتحسين مستوى المعيشة، فسمح بعمل الشركات الخاصة والاستثمارات الأجنبية، وبدا أن البلاد تسير نحو إصلاحات اقتصادية وانفتاح سياسي. ولكن الإصلاحات الاقتصادية المبتغاة جلبت الفساد، والانفتاح السياسي عرقلته أطراف في الحزب الشيوعي فضلت حكم البلاد بالحزم والصرامة. في منتصف الثمانينيات، بدأت احتجاجات طلابية، شارك فيها كثيرون ممن عاشوا في دول أخرى واختبروا ظروفًا معيشيةً أفضل، وتعرفوا على أفكار جديدة.
احتدمت الاحتجاجات بعد وفاة هو ياوبانغ، قائد الحزب الشيوعي، الذي أشرف على بعض الإصلاحات في السابق. أُبعد ياوبانغ عن قيادة الحزب من قبل خصومه قبل عامين من وفاته، وكانت جنازته شرارة أشعلت الاحتجاجات في ساحة تيانانمن.
في 13 مايو، بدأ مئات من الطلاب المحتجين إضرابًا عن الطعام بغية حث الحزب على إجراء محادثات مع المتظاهرين. تشير التقديرات إلى أن مليون شخص انضموا إلى الاحتجاجات للتعبير عن دعمهم للطلاب المضربين عن الطعام والمطالبة بالإصلاحات الموعودة. امتدت الاحتجاجات السلمية في جميع أنحاء مقاطعات الصين، وطالب المتظاهرون -ومعظمهم من الطلاب- بوضع حد للفساد وبدء الإصلاح السياسي والاقتصادي.
لم تتخذ الحكومة أي إجراء مباشر ضد المتظاهرين في البداية، إذ اختلف مسؤولو الحزب الشيوعي بشأن أسلوب الرد. أيد البعض تقديم تنازلات، بينما أراد آخرون اتخاذ موقف شديد. فاز المتشددون في النهاية، وبدأت موجة عنف ضد المتظاهرين.
زار قادة من الحزب الشيوعي المحتجين المضربين عن الطعام في 19 مايو، وأُنهي الإضراب مساء ذلك اليوم. في اليوم التالي، أُعلن قانون الأحكام العرفية في البلاد، فتأججت الاحتجاجات من جديد في شوارع بكين، وتحركت مظاهرات مماثلة في أنحاء الصين. في الفترة من 3 إلى 4 يونيو، أُرسلت قوات ضخمة نحو ساحة تيانانمن، فتحت النار على المتظاهرين والمتفرجين دون تحذير مسبق. قُتل كثير من المحتجين واعتقلوا بهدف استعادة السيطرة على المنطقة.
وفقًا لروايات الحاضرين، نُقل الجرحى على نقالات، وشوهد جنود يحملون أكياسًا بلاستيكية كبيرة لنقل الجثث، وضُرب متظاهرون وتعرضوا للركل من قبل الجنود. وذكرت روايات أخرى أن كثيرًا ممن اعتقلو في بكين -وبينهم طلاب- أُعدموا لاحقًا.
في المحصلة، تعرض آلاف الأشخاص للاعتقال والتعذيب والسجن والإعدام إثر محاكمات جائرة بتهم ارتكاب جرائم «مناهضة للثورة».
لم تكشف السلطات الصينية قط عن العدد الإجمالي للأشخاص الذين اعتقلوا أو حوكموا أو أعدموا في جميع أنحاء الصين منذ بدء القمع في يونيو 1989. وفي مناخ الرعب الذي أعقب حملة القمع، لم تتمكن عائلات الضحايا من الحداد علنًا على موتاهم الذين وُصفوا رسميًا بأنهم «مثيرو شغب»، ولم يستطيعوا المطالبة بالعدالة.
في خضم الاضطرابات، خَلّدت صورة التُقطت في 5 يونيو 1989 رجلًا يرتدي قميصًا أبيض ويحمل أكياس مشتريات، ويواجه وحده رتلًا مهيبًا من الدبابات العسكرية أرسلتها الحكومة لتفريق المتظاهرين. لُقب الرجل ببساطة باسم «رجل الدبابة»، ولم تُحدد هويته مطلقًا.
نجح رجل الدبابة في منع مرور المركبات العسكرية، وبقي واقفًا إلى أن سحبه رجلان من المتفرجين لإبعاده عن الخطر. سرعان ما أصبحت صورة الرجل الأعزل في مواجهة الدبابات رمزًا لنضال المتظاهرين في ساحة تيانانمن، وما زالت حتى يومنا هذا واحدة من أشهر الصور في التاريخ.
يقول المصور ستيوارت فرانكلين عن الصورة التي التقطها: «إنها تبدي شجاعة استثنائية من رجل واحد، وقف أمام صف من الدبابات، مستعدًا للتضحية بحياته من أجل العدالة الاجتماعية».
لا يعرف أحد على وجه اليقين عدد الأشخاص الذين قتلوا في ساحة تيانانمن. في نهاية يونيو 1989، قالت الحكومة الصينية إن 200 مدني وعشرات من أفراد الأمن لقوا حتفهم. وتراوحت تقديرات أخرى بين المئات والآلاف. في عام 2017، كشفت وثائق بريطانية أن برقية دبلوماسية من السفير البريطاني لدى الصين آنذاك، السير آلان دونالد، تبين أن 10 آلاف شخص لقوا حتفهم.
تُعد مناقشة الأحداث التي وقعت في ميدان تيانانمن أمرًا محظورًا في الصين، وتُزال المنشورات المتعلقة بالمجزرة من الإنترنت الخاضع لرقابة مشددة من قبل الحكومة. ولا يعرف جيل الشباب -الذي لم يعش الاحتجاجات- كثيرًا مما جرى.
تريد السلطات الصينية محو مجزرة تيانانمن من الذاكرة، لكن البعض يرفض إطفاء الذكرى. من هؤلاء المحامية والناشطة في مجال حقوق الإنسان تشاو هانغ تونغ التي كانت تسهم في إحياء ذكرى ساحة تيانانمن سنويًا. في عام 2021، طلبت عبر وسائل التواصل الاجتماعي من الناس إشعال الشموع في منازلهم إحياءً للذكرى، فاعتُقلت في هونغ كونغ.
أحداث ساحة تيانانمن موضوع محظور رسميًا في الصين، ولا يوجد عدد رسمي للوفيات حتى الآن. تُقمع بالقوة كل محاولات النظر في ما حدث، ويقابل بالمعاقبة كل من يحاول التشكيك في الرواية الرسمية للأحداث.
المصادر:
1- https://www.amnesty.org.uk/china-1989-tiananmen-square-protests-demonstration-massacre
2- https://www.bbc.co.uk/news/world-asia-48445934