موريتانيا: آخر حصون العبودية على الأرض
مقالات سياسية
مقالات سياسية
اكتسبت موريتانيا لقب آخر حصون العبودية بسبب انتشار العبودية العنصرية على أساس النسب في البلاد، رغم مراسيم الإلغاء المتعاقبة، ونسعى في هذا المقال لتوضيح سبب فشل الجهود الرسمية لإلغاء العبودية في موريتانيا، ومناقشة الاقتصاد الموريتاني والآراء الرسمية للحكومة بشأن العبودية.
مع أن موريتانيا ألغت العبودية رسميًا عام 1981، ما يجعلها آخر دولة في العالم تفعل ذلك، ما تزال العبودية موجودة فيها عمليًا، وقد ساعد النشاط المحلي والدولي المستمر، فضلًا عن تطور الخطاب الديمقراطي، في التعبير عن مناشدات الشعب الموريتاني المستعبد والمستعبد سابقًا وتضخيمها، وأحدث أيضًا بعض التغييرات الإيجابية.
ما تزال العبودية العنصرية الوراثية -على غرار نظام العبودية الذي كان موجودًا في الولايات المتحدة قبل الحرب الأهلية- منتشرة على نطاق واسع في دولة موريتانيا الواقعة غرب إفريقيا، إذ استعبد العرب البيض والأمازيغ الأفارقة السود عدة قرون. عام 1981، صارت موريتانيا آخر دولة في العالم تلغي العبودية. مع أن العبودية غير قانونية من الناحية التقنية، بعد تجريمها لأول مرة عام 2007، ومرة أخرى في 2015، نادرًا ما يُطبق هذا الإلغاء. لكن في بلد فقير يعتمد على المساعدات الغربية، يمكن للضغط الذي تمارسه الولايات المتحدة وحلفاؤها أن ينهي العبودية «بالفعل» و«إلى الأبد» في موريتانيا.
لطالما كانت العبودية شائعة في موريتانيا، حيث استعبد تاريخيًا العرب والأمازيغ المهيمنون اقتصاديًا وسياسيًا في البلاد -يُشار إليهم جمعًا باسم البيضان- السود من شمال غرب الصحراء -يُشار إليهم أيضًا باسم المور السود. يُعرف معظم المستعبدين سابقًا وأحفادهم باسم الحراطين، ويشكلون مجموعة عرقية لغوية منفصلة، إذ يتحدثون الحسانية، وهي لهجة عربية محلية يتحدثها البيضان أيضًا، ويشكلون نحو 40% من السكان الموريتانيين.
أعلنت فرنسا نهاية العبودية في موريتانيا عام 1905 في أثناء احتلالها الاستعماري للبلاد، لكنها رفضت في النهاية تنفيذ القرار لأنها، على حد قولها، أرادت احترام التقاليد المحلية والنسيج الاجتماعي الموريتاني، في حين تحمي أيضًا الاقتصادين الاستعماري والمحلي. تطور الخطاب الاستعماري تدريجيًا من هذا الموقف، فميز بين تجارة الرقيق التي اعتبرها غير قانونية، والعبودية المنزلية، التي يُزعم أن الإسلام أجازها ومن ثم سمح بها أو تسامح معها على الأقل. ولذلك، أُعيق التنفيذ الكامل للإلغاء بسبب مجموعة من المصالح السياسية والاقتصادية الفرنسية والضغط من مالكي العبيد الموريتانيين، الذين تتقاطع مصالحهم في كثير من الأحيان مع المصالح الاستعمارية.
ثم تأخرت معالجة العبودية مباشرةً في موريتانيا أكثر بسبب التطورات الأوسع في القارة الإفريقية، إذ تزامنت موجة إنهاء الاستعمار التي شكلت حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية مع المناقشات حول التصنيع والتحضر والتنمية الاقتصادية، ودور الطبقات العاملة. وتؤكد الحجة ضد الإلغاء في موريتانيا أنه لمّا كان العبيد والمستعبدون مرتبطين بمستعبديهم بروابط اجتماعية وما زالوا معتمدين عليهم، فإن التحرر الكامل سيؤدي إلى «إلغاء القبلية» التي من شأنها أن تعيق التقدم الاقتصادي والوحدة المطلوبة في موريتانيا في عصر إنهاء الاستعمار. أشارت مؤرخة العبودية في موريتانيا آن مكدوغال، إلى أن القضية في فترة ما بعد الحرب كانت مهتمة أكثر «بالنقاش حول إنهاء الاستعمار والتحديث في أماكن أخرى من أفريقيا» أكثر من اهتمامها بالقضايا الاجتماعية أو العمالية. وكان الحراطون في موريتانيا الأكثر تأثرًا بهذا الخطاب.
في الوقت الراهن، تسارعت عملية التحرر لتلبية احتياجات سوق العمل، ولكن من دون السماح للأشخاص المستعبدين سابقًا بالحصول على الاستقلال الاجتماعي والاقتصادي عن مالكي العبيد، إنما ظلوا مرتبطين بمستعبديهم من خلال الروابط الاجتماعية، وبكونهم جزءًا من قوتهم العاملة. إضافةً إلى ذلك، فإن ممارسة تحرير المستعبدين لا تعني تحرير النساء، اللائي ظللن مستعبدات من أجل العمل المنزلي، وأيضًا ليتمكنّ من إعادة إنتاج القوة العاملة. في نظام العبودية الموريتاني، كان أطفال المرأة المستعبدة، سواءً أكانوا الأطفال البيولوجيين لمستعبدها أم لا، ملكًا له ومن ثم إلى قوته العاملة. بهذه الطريقة، ظل العمل في موريتانيا متشابكًا ليس فقط مع «الطبقة العاملة» من الحراطين، بل أيضًا مع نسائهم بوصفهن مصدرًا لإعادة إنتاج الطبقة المذكورة.
وعندما أُعلنت موريتانيا جمهورية إسلامية مستقلةً عام 1960، لم يطرأ أي تغيير على مصير الحراطين، أو من استُعبدوا مؤخرًا، واستمرت العبودية بحجة الحفاظ على التسلسل الهرمي والتماسك الاجتماعي، ناهيك باحتياجات البلاد من العمالة. أيضًا، لم يجر تنفيذ أي تدابير عملية أو فعالة لإنفاذ الإلغاء. وكان بناء الأمة وإنهاء الاستعمار ما زال يذكر في خطابات التنمية الاقتصادية والمصالحة العرقية والوحدة الوطنية، ولم تكن العبودية بعد قضية سياسية في موريتانيا.
تضافرت بعض العوامل لتغيير هذا الوضع، إذ دفع الجفاف والمجاعة المزيد من الحراطين والعبيد من الصحراء في الداخل إلى المراكز الحضرية في الشمال، متضمنةً العاصمة نواكشوط، ما لم يجعل قضيتهم مرئية أكثر وحسب، بل أحكم مكانتهم أيضًا في الهيكل السياسي الحضري.
أسس الحراطون حركة التحرر الحر عام 1974 لإعطاء أنفسهم صوتًا ولتنسيق التعبئة ضد الوضع الراهن. سعت الحركة إلى الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي، ما أدى في النهاية إلى مواجهات مع الحكومة، التي استخدمت العديد من التكتيكات لقمعها، متضمنةً تعذيب نشطاء الحراطين ونفيهم. مع ذلك، في يوليو 1981، أصدرت حكومة جديدة مرسومًا بإلغاء العبودية في محاولة لاسترضاء الحراطين واستمالتهم، لكن هذه اللفتات السياسية لم تصاحبها إجراءات عملية لتفعيل المرسوم، ولذلك استمرت العبودية في عدة أشكال، متضمنةً عمالة الأطفال واستعبادهم.
في تلك الأثناء، كانت مجموعة أخرى من الموريتانيين السود تشعر بالحرمان من حقوقها في موريتانيا ما بعد الاستعمار، وهم من أصول السننكي والولوف والبولار الذين كانوا رعاة ومزارعين على طول الحدود الموريتانية المتاخمة لنهر السنغال. وقد مثلتهم أحزاب سياسية ظهرت في موريتانيا في السبعينيات وشاركت الحراطين في استيائهم من هيمنة البيضان على البلاد. وقد ساعد تسييس هذه الجماعات، إلى جانب نشاط الحراطين، في تشكيل «سياسة العبودية» في الثمانينيات والتسعينيات.
المصادر: